كل حاجة بتعدّي

كل حاجة بتعدّي..
ليس مصادفةً، ولا تمعناً في الإيجابية او فجوراً في التشاؤم؛ إنما تعريفاً وتقريراً لحقيقة الحياة.
بإمكاننا البكاء أو الضحك، ولكن الحقيقة الراسخة هي أن هذا الإنفعال الطبيعي مؤقت ويؤول إلى التلاشي البطيء أو السريع.
"كل حاجة بتعدي" ليست فقط ما توحيه من رداءة. إنها أكثر من ذلك بكثير. يا جماعة إنها الحاجة الوحيدة التي لن تعدي أبداً، كيفما نُعرّف التغيير بأنه الثابت الوحيد في نقاشاتنا الحياتية البسيطة.
المهم هو أن هذه الحقيقة ليست دعوةً مفتوحةً أو جبريةً مغلقةً على الحزن أو الفرح.
*تنبيه: لا توجد حكمة أو دروس مستفادة.
11\8\2023
_____________________________________

مدخل أول:

استيقظت في صباح الجمعة، الحادي عشر من أغسطس بعد أربعة أشهر من إندلاع حرب الخرطوم (التخصيص للتأكيد على أنّ العديد من الحروب الآخرى كانت ولازالت تنزف بإستمرار على عباءةِ أرواحنا). استيقظت في بلدٍ لا أعرفه، مثقلةً بالحنين والقلق، متأملةً أفكر كيف سأحفظ عهدي للوالدة بأني سأشتري لها موبايل آخر صيحة وأنا أساساً أتكلم معها بأول تلفون إشترته هي لي قبل أربعة أعوام بعد دخولي الجامعة بشهر. الحق يقال أن إرتباطي بهذا الهاتف هو إرتباط عاطفي أكثر من كونه عجزاً مالياً، لأنني إجتزت كل فرصة أتيحت لي لأغتني هاتفياً جديداً كأني لا أراها.
حوّلت تفكيري سريعاً نحو اللحظة الآنية. اليوم! كيف سنجتاز هذا اليوم! 
اليوم سيبدأ بشاور صباحي على إيقاع من تراث شرق السودان اسمعه بإستخدام تلفوني الأول، جولة سريعة على مواقع التواصل الإجتماعي لمتابعة أي مستجدات. اليوم يبدو مناسباً لإفطار متأخر قليلا. لم لا أقرأ عن الهويّة اليوم؟ عظيم! يبقى أنزل أتمشى بما إني لم أخرج من فترة وممكن أقعد في نجيلة لأني مشتاقة للون الأخضر وللشمس. بعدها أعود وأفطر وأواصل في دراسة الكورس الذي استخدمت تلفوني ذو المساحة المنخفضة لأسجل فيه. 
طالت القائمة وبدأت ملامح وتفاصيل اليوم تتضح وبدأت التنفيذ، ولكن كما ترون ظل تلفوني الأول جزءاً لا يتجزأ من عملية التخطيط لأي نشاط سأقوم به. فقط قبل ثلاثة أيام كنت أكتب طرحاً وهو أقرب للنقدِ الذاتيّ عن كيف يكون الحال لو لم أكن أملك هذا الهاتف. انبثقت البروز والكونز إنبثاقاً متقارباً في الحدّة.

نظرة خاطفة:

" 6\8\2023
رغبتنا في البساطة والحياة الهادئة هي رغبة متعارضة في جوهرها مع متطلبات الشكل المحيط بنا من الحضارة الإنسانية. إذا أردت التخلي عن هاتفك المحمول تضرعا للسلام فسيتعين عليك أن تفوت آخر تصريحات القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، التي لن تفيدك معرفتها شيئا من الأساس. سيتوجب عليك أن تفوت تريندات عدة: صورتك بالميكاب، صورتك بدون ميكاب، صورتك العاجباك.. سيتوجب عليك أن تتخلى عن رغبتك في الحديث إلى الأشخاص الذين تحب الحديث إليهم وتفصلك عنهم المسافات، لن تستطيع معرفة من أساء إلى النساء اليوم وماذا قال ولن تستطيع الرد عليه. لن تستطيع طلب أوبر أو حتى طلب العلم لأن الكثير مما قرأت ومما تشتهي أن تقرأ هو موجود -إن لم يكن حبيسا- خلف شاشة الهاتف. 
لن تستطيع إسترجاع الذكريات بأدلة ملموسة على حدوثها، ولن تستطيع البحث بسهولة عن فرص جديدة للعمل، وستفوت جميع أعياد الميلاد. ستتفاجأ بأن الحرب قد توقفت، أو أنها ما زالت مستمرة. 
لن تشاهد صور القطط اللطيفة ولن تستطيع الإستماع إلى موسيقاك المفضلة . أنت معزول عن الكثير من الأوهام الدسمة إذ سيكون الوصول إلى متع ورفاهيات الحياة الحديثة أقرب إلى الصعب جدا والتفكير في البدائل شبه مستحيل. وهنا سيتوجب عليك البحث عن أوهام تنسجها انت بخيالك البدائي لتستطيع أن تعيش على الأقل"

توقفت عن الكتابة عندما أدركت أن حياتنا الهشة مرتبطة الكينونة والوجود بعالم إفتراضي لن تقوم لها قائمة بدون هاتف ذكي. وها أنا ذا غير قادرة على الوقوف أمام تيار الثورة الرقمية وهذه ليست بالمفاجأة.
على كل حال، فإنني اليوم لن أمارس عبادة الحزن القديم بعدما إعتكفت عليه لفترة ماضية. لن أغضب اليوم من الحياة، ولن أجاري الحرب في بؤسها. اليوم أريح روحي قليلا من الغد ومن الماضي ومن نزعتها إلى القلق، سأمر بسلام على أي شيء يستثير الرغبة في البكاء أو النوم.

مدخل تاني: الجاتك في مالك سامحتك

عبارة غير صحيحة بموجب التجربة على عكس ما تبدو عليه أول الأمر، فهي جملة تسمع عند الكثير من الفئات المختلفة ومتضاربة أو متوافقة المصالح من البشر وهذا ما يجعلها مقبولة. يمكن أن يقولها أي رأسمالي منفصل عن الواقع أو صوفي متقشف، أو شخص عادي جدا تربى على أن يسمعها ويقولها كلما حكت الحياة جلده بالأمواس بدلا عن أن يقتل نفسه. ولكنها في الحقيقة عبارة غير صحيحة. الجاتك في مالك لم تسامحك أبدا. الجاتك في مالك قد استباحت الجهد الجسدي والنفسي الذي بذلته لجمع هذا المال لتعيل أسرتك أو لتدرس أو للعلاج .. وهذا أبعد ما يكون عن التسامح.

مدخل تالت: ثم ضاع الأمس منا وانطوت في القلب حسرة

الأمس هو اليوم الماضي، أو ما بقي منه من دلائل تثبت أنه حدث بالفعل كالصور ومقاطع الفيديو والرسائل.
الحرب بطبيعة حالها تدمر الأشياء، الأماكن، الأشخاص، الذكريات، الحضارات، وبالطبع فإنها تدمر كل محاصيل العرق الذي تصبب من جبين أم ضحت بشقاء عمرها لتربي بناتها الثلاث، أو مزارع وهب عمره للزراعة أو سياسي أفنى عمره في السياسة أوأي إمرأة ورجل عاشوا بأمل الخلاص والتفاني لأجله، بإختلاف قدرة هؤلاء الأشخاص على استعادة المتبقي والحفاظ عليه أو البدء من جديد.
لم يكن بإمكان أحد من سكان الخرطوم أن يعلم كيف أنكسر الناس في مخيمات النازحين بدارفور، أو كيف شعر أهل حلفا القديمة بالغربة أو أن يتخيل غضب وحزن الناس الذين أجبروا على ترك فلسطين وسوريا واليمن وليبيا وغيرهم. لا يمكن لأي شخص أن يشعر بالتجربة مالم تطاله يداها.
أن تترك كتابك المفضل، و قميصك المفضل، أن لا ترى أشخاصك المفضلين، لن تذهب إلى مطعمك المفضل ولن تأكل طعامك المفضل. لن ترى الشوارع المألوفة ولن تجلس على القهاوي الممزوجة بالضحك المألوف. 
ربما إن حالفك الحظ، خرجت من الحرب قطعة واحدة ومعك هاتفك الجوال، بهذه الطريقة لن تفقد ذكريات المكان والزمن. لكن من المعروف أن الصفة الأساسية للحرب بجانب الدمار والموت هي أنها تجبر الناس على التخلي وتفرض نظاما فاشيا من الزهد في الحياة. 

مدخل رابع: عودة إلى المدخل الأول:

بالعودة لحقيقة الحزن الخيم في قلبي، فمن كل الأشياء التي تأقلمت مع زوالها أو فقط إحتمالية الأمر، قد كانت إحتمالية فقد تلفوني هي الأعصى على والأبعد عن الخيال لأنه أنا دايما شديدة الحرص والتركيز، لايمكن أبدا أبدا أن يضيع هذا التلفون لأني شايلاهو في حدقات العيون. ما لأنه غالي، لكن لرمزيتو العالية عندي المقرونة بأمي كإمرأة فقيرة وعاملة بالقطاع غير المنظم ومناضلة، بجانب الحاجات القاعدة فيهو من 2019 . وكان عندي تصور إني في وقت ما ح أشتري واحد جديد ولكن ح أحافظ عليهو للأبد ليكون دايما التذكير اللطيف حضورو.
اليوم بكامل عبارات الأسى الصادقة، إتسرق مني التلفون وأنا قاعدة في النجيلة بقرأ وبتقاطعني أفكاري عن المستقبل والماضي. إتسرق ووالله ما زالت جروح الفقد والتخلي القسري عن الخطط والأشخاص والآمال نازف، ووالله ما شعرت بعبثية الحياة وسخريتها أكثر من الآن.

إشارة للمقدمة: 

بالرغم من أنه لا توجد حكمة من هذا الإختبار أو من هذا السرد والبكاء الذي تبعه، لا أنسى أن أستصحب معي الحقيقة المحضة والمجردة أن كل حاجة بتعدي في عمق هذا الأسى، ليس إيمانا مني بأن القادم أفضل أو أسوأ، هكذا فقط إعترافا بأن الحياة عملية مستمرة من الحركة المتعرجة التي لن يفيدنا وصف إحداثيات أي نقطة منخفضة أو مرتفعة فيها بأي معلومة جديدة.

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بكائية أخرى عن السفر

عن ياقوت العرش: محمد الفيتوري

الحرب التي تُجرِّد مِن الإلفة