الحرب التي تُجرِّد مِن الإلفة
بُكائية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مارس ٢٠٢٤
الشوارع مألوفة، الروائح مألوفة، الفوّالي المألوف جنب الطبلية المألوفة، الموصلات المعتادة، التأخير المتوقع بسببها، حاوية تغلق الشارع وهي تبكي عليه، متاريس تعلم أنها غير قادرة على الحماية.
فترة زمنية -يوم أو إسبوع أو شهر على الأكثر- مدروسة بإحكام. (ليس كأن نعلم كل تفاصيلها، ولكن على الأقل نمتلك خارطة من الوجوه والمزارات والأشياء)
نمتلك أيضا خارطة المكان الفعلية. الزقاقات معلومة. اللفة الثالثة إلى اليسار تقود إلى مكان إرتاده الحنين عدّة مرات. لا حوجة لِلايف لوكيشن. أفضل طريقة للوصول مُعطى. مواصلات، ركشة، موتر ..الساهلة بس ولكن أيضاً المألوفة.
وجوه تستطيع قراءتها. تدرِك بتلقائية ماذا يعني الكمساري لما يقول: "يا حبيبنا/ ولدنا/ بتنا". شكلةٍ ما على وشك الحدوث.
تركب مواصلاتٍ ما.. عشوائياً تسمع محمود، ود الأمين، عشة الجبل، نانسي عجاج أو محمد سيد حاج.
لغة التواصل سهلة جداً. قد تكتفي بإيماءة صوتية أو جسدية لإيصال معلومة معقدة.
المجهول الوحيد هو ما قد يكدر صفو كل هذه الإلفة.
السودان منّي وفيني وجواي وأنا جوّاهو. هوية ليست كتنظير فلسفي، ولكن كواقع مُعاش.
لا جدوى من سؤال عرب أم أفارقة. الرقعة الجغرافية التي ننشأ فيها تُكوِّن ما نحن عليه، وتنغرس بعمق -في وعينا ولاوعينا- كل تفاعلاتها ورموزها. ليصير الوعي الجمعي الناتج عن هذه التفاعلات منطقة راحة وإلفة. أمّا محاولات تفكيكو وتحديثو ليصير أكثر إنسانية، أيضا جزء من عملية جماعية مشتركة تنتج وعي جمعي جديد، وهي أيضا مألوفة لأن الأدوات تتصف بعدة صفات، الغرابة ليست من ضمنها.
هكذا تتخلق الهوية، بفعل الجماعة والمكان والمفاتيح اللغوية والثقافية.
هكذا ليأتي عام من الحرب يخلخل جذور هذه الإلفة الممتدة، ويطعن مباشرة في أركان الهوية المقامة.
تبتعد عن جغرافيا المكان فيتلاشى تدريجياً الشعور بحقيقته. وبالتزامن، تنعدم القدرة على خلق هذا الإرتباط مع الأماكن التي لفظتك فيها الحرب، لا لشيء سوى أن النضوج يجعل العودة لما قبله صعباً.
هنا يتَكشف دور منظومة الدولة الحديثة في إحتواء الهوية. لأن العالم هكذا.. دول. تحتاج إلى التأشيرة والإقامة والكثير من القروش فقط للتحصل على وضع "قانوني"، تحتاج أكثر من ذلك بكثير للإستقرار. تحتاج المستحيل لتشعر بذات الإنتماء.
فور الخروج من الإلفة إلى نقيضها، يبدأ التلاشي والضياع واللاإنتماء الذي لطالما أسأنا تقديره.
لغة، شوارع، وجوه، موسيقى، عادات وتقاليد جديدة. أطعمة غريبة، تارة تقطر زيتاً وطوراً تقطر موز.
الكومن سينس ليس كومنا. السوشيال كيز لا تفتح أبوابنا.
هل "كُر" كافية للعزاء؟
هل سنصير قردة بلا مواطنة أو هوية وبلا شعور بالجماعة؟
والله نحن مع الطيور الما بتعرف ليها خارطة، ولا في إيدها جواز سفر.
💔
ردحذف