عن ياقوت العرش: محمد الفيتوري

خلفية

سيدي ياقوت بن عبد الله الحبشي كان عبداً مملوكاً من الرقيق القادمين من الحبشة (التي كانت تضم أجزاء من أثيوبيا والسودان) في عصر المماليك، فأَعتَقَه الشيخ المتصوف سيدي المرسي أبي العباس وأفاض عليه من العلم والمعارف، وزوّجَهُ ابنته وجعل منه مؤذناً وخليفة. يقال أنه سُميّ بياقوت العرش لأن قلبه كان دائمًا ينظر إلى العرش، توفي عام 1332م ودُفن في الإسكندرية بجوار شيخه المرسي، ولا يزال ضريحه موجوداً في مدينة الإسكندرية داخل مسجد أبو العباس المرسي بمنطقة بحري¹.


الشعر والشاعر

محمد مفتاح رجب الفيتوري، إن حاولنا تعريفه من خلال مساهماته في المجال العام، لقلنا أنه شاعر فريد النغمة والإيقاع، وكاتب، وصحفي، ودبلوماسي. لكن ما أن نتجاوز هذا التعريف إلى محاولة تحديد الجماعات أو الهويات التي ينتمي إليها، حتى يثور إشكال الهويات المتعددة والجزئية، ويحتدم النقاش بين الفيتوري ومقدّم البرنامج في إحدى² المقابلات التلفزيونية؛ ليُفصح — مع التأكيد على أنه لا توجد إجابات بسيطة — بأنه إفريقيّ عربيّ، مصريّ الثقافة والنشأة، ليبيّ الجنسية والدماء، وسودانيّ المزاج والروح، فهي - أي السودان - "الأرض التي سقط عليها رأسه". 

لقد وُلد الفيتوري في مدينة الجنينة بولاية غرب دارفور عام 1936، ثم نشأ وأكمل تعليمه الابتدائي في مدينة الإسكندرية، قبل أن ينتقل إلى القاهرة، حيث تخرّج في جامعة الأزهر. وتوفي في مدينة الرباط بالمغرب عام 2015. هكذا³، وأكثر من ذلك، عاش الفيتوري في مدن وعواصم شتّى، وتغرّب في القارات، حاملاً شعره وهمّه الإنساني.

وبرغم إصرار المذيع - الذي لم ينل استحسان الفيتوري ولا استحساني - أرى أن السؤال ليس محصوراً على: "إلى أين/من ينتمي؟" فيمكن طرحه بصيغة من أين وممن تغرّب؟ 

أجد قصيدة ياقوت العرش مشتعلةً بجذوة صوفيّة تَقرَأ بشغف في جروح أفريقيا - التي لم تلتئم بعد - مع الاستعمار والاستعباد. وتأويلاً أقول: إن أجيال الحزن تبدأ من قبل ياقوت العرش المُستَرَق من الحبشة إلى مصر، وبعد جدة الفيتوري السودانية التي اختطفت وبيعت لتاجر رقيق في ليبيا فتزوجها، حتى نعيمة جمال⁴ الاثيوبية التي اختطفت فور وصولها ليبيا في 2024، وبالطبع الاستعباد والاسترقاق الجنسي الذي ما زالت تمارسه قوات الدعم السريع⁵ في حق السودانيات منذ اشتعال الحرب في 2023. 


الموسيقى الخلفية

مقطوعة⁶ "أمل" من تأليف عازف العود أشرف عوض، وهو موسيقي سوداني من مواليد مدينة ود مدني وسط السودان. تخرج في بيت العود القاهرة ودرّس فيه وشارك في تأسيس بيت العود الخرطوم، وهو السوداني الأول الذي ينضم إلى أوركسترا الشرق.


معلومة مرحة

لا توجد تسجيلات لقصيدة ياقوت العرش بأداء شاعرها - على الأقل فيما بحثت على الإنترنت - سوى هذا المقطع المجتزأ من مقابلة تلفزيونية⁷ أُجريت في بيت الفيتوري بالسودان عام 2005.


ألغاز

لّحن وعزف وغنّى⁸ قصيدة ياقوت العرش شاب غامض يرجح أنه سوداني. وبالرغم من الغموض الكبير المحيط بهذا الشاب المتميز، استطاعت أذن استخباراتية أن تتعرف عليه في "مقطع ملحن من مصابيح السما التامنة وطشيش⁹"، ولم تكن مفاجأة أن يكون قسم التعليقات ممتلئاً بأسئلة من نوعية "الزول دا منو يخوانا؟" 

ملاحظة: لو في زول اتعرف عليه يورينا!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ياقوتُ العرْشِ


دنيا لا يملكها من يملكها

أغنى أهليها سادتها الفقراء

الخاسر من لم يأخذ منها

ما تعطيه على استيحاء

والغافل من ظنّ الأشياء

هي الأشياء!

تاج السلطان الغاشم تفاحة

تتأرجح أعلى سارية الساحة

تاج الصوفي يضيء

على سجادة قش

صدقني يا ياقوت العرش

أن الموتى ليسوا هم

هاتيك الموتى

والراحة ليست

هاتيك الراحة

عن أي بحار العالم تسألني

يا محبوبي؟

عن حوت قدماه من صخر

عيناه من ياقوت

عن سُحُبٍ من نيران

وجزائر من مرجان

عن ميت يحمل جثته

ويهرول حيث يموت

لا تعجب يا ياقوت

الأعظم من قدر الإنسان هو الإنسان

القاضي يغزل شاربه لمغنية الحانة

وحكيم القرية مشنوق

والقردة تلهو في السوق

يا محبوبي..

ذهب المُضْطَّر نحاس

قاضيكم مشدود في مقعده المسروق

يقضي ما بين الناس

ويجرّ عباءته كبراً في الجبانة

لن تبصرنا بمآقٍ غير مآقينا

لن تعرفنا

ما لم نجذبك فتعرفنا وتكاشفنا

أدنى ما فينا قد يعلونا

يا قوت

فكن الأدنى

تكن الأعلى فينا

وتجف مياه البحر

وتقطع هجرتها أسراب الطير

والغربال المثقوب على كتفيك

وحزنك في عينيك

جبال

ومقادير

وأجيال

يا محبوبي لا تبكيني

يكفيك ويكفيني

فالحزن الأكبر ليس يقال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر

  1. https://ahlmasrnews.com/news/local-news/12897299/%D8%B9%D9%85%D8%B1%D9%87-700-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D8%AD%D9%83%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B3%D8%AC%D8%AF-%D8%B3%D9%8A%D8%AF%D9%8A-%D9%8A%D8%A7%D9%82%D9%88%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%B4-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%83%D9%86%D8%AF%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D8%A8%D8%B4%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%84%D8%AF-%D9%88%D8%AA%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%B0-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%B3%D9%8A-%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B3 

  2. https://youtu.be/YwdJv-k-1sE?si=-VsvYa6AU-0xFJy8 

  3. https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%AA%D9%88%D8%B1%D9%8A_(%D8%B4%D8%A7%D8%B9%D8%B1) 

  4. https://twitter.com/AAAX99X/status/1876696480834376163?t=bSDripjs2JDHAQeoO04SrA&s=19 


  1. https://www.amnesty.org/en/latest/news/2025/04/sudan-rapid-support-forces-horrific-and-widespread-use-of-sexual-violence-leaves-lives-in-tatters/?utm_source=chatgpt.com 

  2. https://youtu.be/t5X6ardhmY4?si=HunEiUl82xFAGmB9 

  3. https://youtu.be/3nBM4Jpz6mE?si=YX3I6SMgKJNfZ0BX 

  4. https://soundcloud.com/flhb2atzt9nl/gulxydcstlot?si=a16107f836514431ac3f83d91b1ac0db&utm_source=clipboard&utm_medium=text&utm_campaign=social_sharing  

  5. https://soundcloud.com/khalid-kooky/mp3?si=4372b765c859409aacb1024d682b3d89&utm_source=clipboard&utm_medium=text&utm_campaign=social_sharing 




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بكائية أخرى عن السفر

الحرب التي تُجرِّد مِن الإلفة