عن الإنتماء والوطن

 وعارٍ عنِ الإنتماء:

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

"أُبِعدَتْ من سِربِ الحمامِ مُطمأَنْاً

وأُضِفتَ فِي سِربِ الحمَامِ مُرَوّعا"

-محمد عبدالباري

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

٣٠ نسيان الرابعة صباحاً ٢٠٢٣


جان جاك روسو، فيلسوف عظيم بَدأ بالصُدفة أو بإمكانِنا الجدالُ في ذلك لِعُدّة وحدات زمنيّة (غير مُعرّفة لِتُطابِق مافي الأمرِ من إبهام)؛ وذلك لأن مفهومُ "الصُدفة" مَليءٌ بالثَغرات. ما لا يُمكِنُ فيه الإختلاف ولا تُحتمَل فيه مرونة الرأي والرأي الآخر ما بَعد الحداثيّة، هو أنّه عاش حياةً بائسةً، وفقيرةً عن الإنتماء الذي هو -في تقديري الشخصي جدّاً- أسمى شكلٍ من الإتصالِ البشريّ، وفِقدانهُ هو الشكلُ الأسمى مِن المُعاناة المَحضة والمُجرّدة. 

ما يجعل مُعاناة روسو في إيجادِ "المكان" تختلف عن نظيرتها في تجربة إدوارد سعيد هو إختلافٌ طبَقيٌّ سخيفٌ مُعتاد ومُكرّر! فإدوارد سعيد وإن قاسى شعورَ عدم الإنتماء إلى مِصر الدافئة أو نيويورك المُزدَحِمة مُتقلّبة المِزاج، فَقد وَجدَ دائماً وِسادةً من الرّيش بإنتظارِهِ آخر اللّيل، نقيضاً لروسو الذي ظلّ ينسخُ المُوسيقى طلباً لِلُقمةِ العيش ولُقمةِ الكرامةِ الإنسانية التي تشرّد عنها ولم يمتلك تَرف الإختيار بين وِسادِةِ الرّيش أوِ القُطنِ -إن وُجِدَتْ- وهذه الحالة بالطبّعِ لم تَكُن إختياراً حُرّاً كالذي نظّر له في رسائِله عنِ "الحالة الطبيعية". 

وهذا يا عزيزتي القارئة -تخصيصاً- لم يَكُن تقليلاً من شأنِ تجربة إدوارد سعيد العظيمة جداً مع اللاإنتماء والتّي كَلّلها في آخرِ مكتوباتِه العظيمة "خارج المكان" قُبيلَ أن يُفارقَ المكان مُطلقاً، عظمة على عظمة! هذا فقط دليلٌ آخر على أنّ عامِل المادّة ليس بالضرورة هو التفسير والمُبرِر لكُلِّ الأحداث المُؤسِفة، ولنأخذُ التَجربُة الإنسانية مثالاً.

فإدوارد وإن كان من أبناء الطبقة المُنعّمة، فقد هُجِّر عن فلسطينَ قسراً، وإن حظِيَ بما تبقّى مِن طفولةٍ سعيدة بِمصر، فقد وجد نفسه وحيداً خِضّمَ لا شيء نيويورك -حينها والآن- يُكابِدُ أن يكونَ جُزءاً مِنه.

أنا لا أفترِضُ وجودَ عامِلٍ مُشتركٍ أكبر أو أصغر يبدأُ مِنه نُفور النّفس عن شعورها بالمجموعة أو يُفسّره -بالرغم مِن أنّ بعض النظريّات النفسانيّة قد تُحاوِل وتقترِب من فِعلِ ذلك- ولكنّ الفرّضيّة البيضاء هُنا، أنَّ هذا الشُعور يُفضِي إلى الميناء، أي أنّه دائماً -وأقولُها بِثقة- ما يقودُنا إلى بَحرٍ غير مُكتشفٍ من المعارِف، وشكلٍ مُختلفٍ من التعبيرِ عن الذات، ورُغمَ إختلافي مع مفهومِ الإعجاز، إلّا أنه الأقرب لوصفِ المنتوجِ الفكري المُندفِع عن شُعورِ الإغتراب هذا. وقد تكون حوجة المُصابُ بشيءٍ ما لما ينقصه هو العامِلُ الحفّاز في جعلهِ يتصوّر الحلول لذلك النقص بمُخيّلة متميّزة عن تلك التي يمتلكها من يمتلك الشيء. 

والمكانُ في تعريفي مِن الأساس وإن إحتوى كيان الإنسانِ مادةً فلا يُوجدُ بالضرورةِ ما يُثبِتُ إحتوائَهُ للإنسانِ وِجداناً. إذ أنّ إحداثيّاته ظلّتْ مرتبِطةَ القيمة بِمن فيه، فلا يُسمّى المكانُ وطناً إن خَلا مِن عليهِ وجود الجماعة وتمظهرات إرتباط أفرادِها ببعضهم وعاطِفة هذا الإرتباط. وهذه العاطِفة هي مِفتاحٌ لفهمِ تعقيداتِ فقدانِها.. يَهيمُ الإنسانُ على وجهِ الأرض، باحِثاً عن عاطِفة المكانِ -ومن فيه- المُطابِقة لتصوّراته عن ما يُسمّى "الوطن". ويُخيّلُ لي أن الشكلَ الحديث للوطن هو شكلٌ مُفرغٌ من العاطِفة الصادِقة، ولكنّها إذ تأتي مُرغمةً ومصنوعةً بناءً على أين وُلدتَ، ثُمّ تتوالى المُحاولات الناجحة أوِ الفاشلة في جعلِكَ -عزيزي القاريء- وطنيّاً تُردِّدُ نشيدَ الدولة وتُخلِصُ في تفانيك لأجلِها، وتحاوِلُ إصلاح عطَبِها إذا لم تُخلِص هيَ في تفانيها لأجلك، تتظاهرُ لأجلِ حقوقِك وحقوقِ غيرك فيها، وتستعِدُّ بشكلٍ جادٍ لأن تُراقَ دِمائك قطرةً قطرة في سبيلِ الحُريّة المُتخيّلة والعدالة المنشودة، والسلام الذي لن يأتي قريباً إن أتى. ثُمَّ إن حدث كُلُّ ذلك تواصِلُ تفانيكَ المشروط لأجلها. ولا بأس بذلك أبداً، لأنه واقِعٌ مفروض فيكون هباءً (ويَجوزُ إبدالُ الهاءِ غيناً) إن أردنا تفكيكَ الدولة لِصالحِ صِدق العاطفة والإنتماء الحُر.

كُلُّ هذا بِجانِب النقطة الأساسية، وأؤكد على عدم فهمي لماهيّة الإنتماء وفقدانِه، من أينَ ومتى تأتِي، وكيف تَصيرُ المُعضِلة التي تُلاحِقُ شخصاً كما يَفعلُ ظِلّه. 

وما يَبثُّ على الكثير من الدهشة والمزيد من الأسئلة، هو الإغترابُ عَنِ الزّمان على وجهٍ خاص؛ لأن الشائِع هو لا إنتماءُ الفردِ لرقعة المكانِ التي تَطئُها قداماه. فيبدو لا إنتماءه للزّمانِ الذي يعيشه أمراً شائِكاً، عصيّاً على الدّمع، وأكثر تعقيداً. 

ما الذي يَجعلُ الإنسانَ يغترِبُ عن مُجريات الزّمان وظواهِره؟

قد تكونُ هذهِ ترجمة خاطئة لشعورِ "الحنين إلى ما مضى" ،وهي في هذه الحالة عند محمود درويش:

"عاطِفةٌ لا تَخُصُّ المُفَكِّرَ

إلا لِيفَهمَ تَوقَ الغريبِ إلى أدواتِ الغياب" 

أو قد تكونُ مُجرّد فِكرة أُخرى غير مستكشفة!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بكائية أخرى عن السفر

عن ياقوت العرش: محمد الفيتوري

الحرب التي تُجرِّد مِن الإلفة