الموسيقى أُنثى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليس فقط في محاوِر اللُّغة، ولكن على محاوِر أخرى تتجسدُّ فيها أنثوية المُوسيقى ورقتّها أو عنفوانها.
خطرت لي هذه الفكرة وأنا أستِمعُ إلى رائعة البلابل "عُشّة صغيرة" بتسجيلها القديم. مُوسيقى البداية ترائتْ لي كفتاةٍ تَرقصُ في إفتتان، بشغفٍ وشَبق.
كُلّما إستقطعتْ الدلّوكة نَفَسَ الإيقاع، خُيّلت لي هذه الفتاة تُشيحُ بِعُنُقِها يميناً فيساراً بزهوٍ وإستعلاءَ كأنّها تتعمّدُ إثارة الغيظ أوِ الفوضى في قلبِ أحدِهم.
"المُوسيقى أنثى" قفزتْ هذه الكلماتُ إلى مُخيّلتي بعدَ أن عادت الآلاتُ من جديدٍ إلى التنفس.
يتكررُ هذا المشهد المُوسيقي عُدة مرات، لا أرى فيها إلاّ أنثوية المُوسيقى، ورُبّما عبقريّة المُوزِّع والمُلٌحّن أيضاً.
ثُمَّ تَجرُّني هذهِ الأفكارُ مُجدداً حين تُغرِّدُ البلابِل: "نحن طَلبنا الكِلمة الطيبّة، زي ما تدور الدُّنيا تدور"
وفي فنيّة بالِغة وساحِرة تندَمِجُ أصواتُهنُّ مع المُوسيقى في: "آه..هممم.. لالالا"
هُنا تيّقنتْ أنّ هذا الإندماج الذي يصعُبُ تحليله وفكاكُ عناصِره إلى صوتِ البلابِل الأُنثويّ وصوتُ المُوسيقى، ماهو إلّا دليلٌ قاطِع على أنثويّة المُوسيقى.
مع أني كُنتُ آرى دوماً أن المُغنّي ذكراً أو أُنثى، يُطّبِعُ المُوسيقى بقليلٍ من صِفاتِ صوته، فتصيرُ تُشبِهه.. ودَعمتُ حينها هذهِ النظريّة بتَطّبُعِ مُوسيقى العُود بِهدوءِ وعُمق صوت الفنّان مُصطفى سيد أحمد في "بينَ مريمِ الأُخرى والمجدليّة" حين تَقِف جميع أوتارِ العُود عن الإهتزاز بالرغمِ مِن تَحرُّكِها مع صوته وهو يَتلو:
"ثُمَّ أنتِ، أنتِ يا كُلّ المحاوِر والدوائر يا حِكاياتِ الصِّبا"
نَاهِيك عن التَذّمر في صوتِ العُود عندما يُطابِقُ مَشاعِر الرّجاء الممزوج بالحُبِّ في صوت عبدالعزيز العِميري وهو يقول: "يا رُوحي أنصِفني".
عزّزتُ لهذهِ النظريّة بكثيرٍ من الأمثلة، تَشبُّه الموسيقى بصوت وردي في "يا راجياني" وبعثمان حِسين في "أوعديني" ومحمد الأمين في "شال النُوّار"
لَكِنّي الآن لا أرها عَمليّةً تطبيعيّة يمتزجُ فيها صَوتُ الفنّان بالمُوسيقى، الآن هِي أُنثى.
ليَست دائماً تَرقص بِكُلِّ تأكيد، فهي تبكِي كثيراً في ألحانِ الكمان، وتَغضبُ في إيقاعاتِ الطبول، وتقدِل إمّا بِفرح أو بِحُزن في إيقاعات الدّلوكة أُم كُوع.
الآن هي أُنثى،
وعليه أعزِي نظريّة الإمتزاجِ تلك، إلى المشاعِر الفطريّة بينَ ذكرٍ وأُنثى في منظومةِ الحُب. المُوسيقى لا تتَطبّعُ بصوتِ الفنّان وإنّما تَستجيبُ لمشاعِره أو تُجسِدّها على نحوٍ أُنثويّ بالغٍ في دقةِ الوصف، ومثيرٍ للحيرةِ والإندهاش حِين يُداعِبُها الفنّانُ بِصوته.
أمّا في مثال البلابِل فإنها إمتدادٌ طبيعيّ للحالةِ الأُنثويّة العذّبة، الرقيقة القويّة، الغامِضة فذّة الوضوح.
ـــــــــــــــــــــ
مُرفق: صور غارِقة بالنستولجيا للبلابِل.
تعليقات
إرسال تعليق