نَصٌ أخيرٌ آخر

موتٌ مبكر يتربص بنصوصي وقصائدي، أن تقتل الفن فور إبصاره للنور بعد أن إجتاز رحلة تسعة أشهرٍ من الكبد ليحجز مِقعداً على مذكرتي السوداء الصغيرة، هو أمرٌ موصومٌ بالقسوة في عالمِ الأحرفُ والكتابة.
تنازعني الأحرف مُطالبةً أن تُكتب، لكن أناملي مَلّت الكتابة، مصابةٌ بالخدرِ والإكتئاب!
تهاوش محتدمٌ بين الهامِش والمركز، تمرد الأنامل هذا ورفضها أن تخضع لسيطرة النظام القائم على "أُكتب هناك المزيدُ من الخيبات" أو "هيّا ننمق الألم بالكلمات" يجعل النوم أمراً صعباً وعصيّاً عند الثالثة صباحاً.
كل شيء مكرر، كُل تجاربي، أحزاني الصغرى، أحزاني الكبرى، إرتجافُ أناملي عند الكتابة أو بعد التدخين، أو إرتجافها عندما يراودني الحنين.
كذاك الإنكسار مكرر، والإنشطار مكرر، التشتت والهبوط، وخزات من الخزلان وروتينٌ مكرر من الإختفاء المفاجيء يُصِيبُني بالهذيان.
وبالرغم من أن هذه الدائرة مغلقة وحادة الزوايا بحيثُ  يصيبُك إنكسارٌ بزاوية خمس وأربعون درجة عند كل مُنعطف، ورُغم أنها تدور حول نفسها وحولي حيث أنا في المنتصف، رغم أنها تُمثل السنين والأيام وتَكرر الأحداثِ والوقائع.. رغم كل ذلك، إلّا أن الألم سحيقٌ في كل مرة، فريدٌ في كل مرة، متجدد ومتنوعٌ في كل مرة، يؤلمني في كُل مرة!
هذه ميزةُ أن تظل على قيد الحياة أعتقد، لابُدّ أن تتألم حتى وإن كُنتَ ميّتَ الروح، مادام جَسدكُ حاراً فستشعر بشعور الأحياء البائسين، تنازِعكُ أحرفٌ وترتجفُ أنامِلك تمرداً عن الكتابة.
لكنها لوحةٌ بديعة من إمتزاج المفاهيم، تكرارُ الأحداث وتجدد الألم هو أمرٌ يستدعي أن ننظر إليه بعين فنانٍ..ونضحك.
مذهلٌ كيف تقودُنِي كل الطرق المختلفة التي سلَكتُها إلى ذاتِ النهاية كُل مرّة. كان من المفترضِ أن يتغيرَ شيء، أن يحدث إختلاف ما، تجديدٌ بسيطٌ في مسرى الأحداثِ رُّبما؟
مَللتُ من إدراك النهاية وكأنها حتميّة التحقق. ربما هي كذلك حقاً!
"رُبّما"... رُّب ما..رُبّ الذي..
هوسٌ غريب.
اليوم وأنا في فجر هذا اليومِ المُقدس، لا أشعرُ بقُدسية شيء. لا يُهمني النّاسُ ومشاعِرهم ولا حتى أفكارهم الحمقاء. أنا أدور على ذاتِي في تجاهلٍ تامٍ لحقيقة أننا ندورُ حول الشمسِ أيضاً.
لم أُعايد أحداً.. ولم أسمح لأحدٍ بأن يُعايدني، لأن كل ما سأسمعه هو "كل عامٍ وأنت بخير" 
ولكنّي كُل عامٍ وأنا لستُ بخير! 
الأُمنياتُ الزائفة آلية المنشأ والتي لن تحقق لا تَروقُني. 
اليوم وأنا أكتب هذه التُرّهات، أعلمُ أني سأخضعُ لرغبةِ أناملي.. سأنام.. 
عنِ الكتابة
ورُبما سأُقصيكَ مِن هاتِفي الجَوّال، في محاولةٍ  لإقصائِكَ مِن رأسي، سأنجحُ في ذلك. لكن سيُؤلم كَون عقلي مريضٌ بالتشبث.
سأنجح آخر الأمر وأوله.
ستصبح ذكرى جافة لا تُحدث خدشاً ولا إهتزازاً في أيّ جزء من جسدي، لا عقلي ولا أناملي.
هذا خِتامٌ ركيكٌ أدري، الأمرُ برمته ومنذ البداية ضربٌ من الركاكةِ والسوقية.
لذلك سأتوقف..
عن الكتابة
وعنك.
ستُرجِعُني طبيعةُ جسدي في لفظِ المشاعرِ والأفكار على الورق إلى الكتابة رُّبما، كطلاءٍ لا يَستشعرُ وجوده إلاعندما يُرشُ على حائط. 
لكنها لن تُرجعك! 
هذه ليست أول مرةٍ ولا ثانيها وليست الأخيرة
لَكني مللتُ الآن
وآلان ولهذا..
هذا نَصٌ أخيرٌ آخر. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

بكائية أخرى عن السفر

عن ياقوت العرش: محمد الفيتوري

الحرب التي تُجرِّد مِن الإلفة